عندما نقرأ قصص الأنبياء، غالبًا ما تركز أذهاننا على الجانب الدعوي والمعجزات والتحديات الكبرى التي واجهوها. ولكن إذا تأملنا قليلاً في تفاصيل حياتهم، سنجد جانبًا إنسانيًا رائعًا، وهو أنهم كانوا يعملون مثلنا تمامًا. لم يكونوا مجرد دعاة يعيشون على هامش الحياة، بل كانوا آباءً وأزواجًا وأفرادًا فاعلين في مجتمعاتهم، يكسبون قوتهم بأيديهم ويشاركون في التنمية والعمران.
الحديث عن بحث عن حرف الانبياء ومهنهم هو رحلة ملهمة في سير هؤلاء العظماء، نستخلص منها دروسًا في الأخلاق والعمل والجد والاجتهاد. إنها دعوة لإعادة النظر في مفهوم القدوة، وتقدير قيمة العمل بجميع أنواعه، وفهم أن الكسب الحلال هو جزء لا يتجزأ من رسالتهم السماوية.
في هذا المقال الشامل، سنبحر معًا في تفاصيل حِرف ومهن أنبياء الله، مستندين إلى ما ورد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وكتب التفسير والتاريخ. سنتعرف على طبيعة عمل كل نبي، وكيف ارتبطت مهنته بصفاته ورسالته، وما هي الدروس والعبر التي يمكننا استخلاصها في حياتنا المعاصرة.

مقدمة: لماذا نهتم بمعرفة مهن الأنبياء؟
قد يسأل سائل: ما أهمية معرفة مهن الأنبياء؟ أليس الأهم هو قصص دعوتهم وتوحيدهم لله؟
الإجابة هي أن معرفة حياة الأنبياء بشكل متكامل، بما فيها جوانبهم المهنية، تقدم لنا نموذجًا متكاملًا للشخصية المسلمة. إنها تعلمنا أن:
- الدين ليس انفصالاً عن الحياة: لم يكن الأنبياء متفرغين للعبادة فقط، بل كانوا يعملون ويكدحون، مما يعني أن العمل عبادة إذا صلحت النية.
- التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب: كانوا يتوكلون على الله في تبليغ الرسالة، وفي نفس الوقت كانوا يمارسون أعمالهم لكسب الرزق، وهذا هو التوكل الحقيقي.
- القدوة الحسنة تشمل جميع المجالات: نحن بحاجة إلى قدوة في صدقنا، وفي عبادتنا، وفي عملنا أيضًا. والأنبياء هم أفضل من يُقتدى بهم في هذا المجال.
- العمل مصدر عزّة وكرامة: اختار الأنبياء أعمالاً يدوية بسيطة، مما يعزز في نفوسنا قيمة العمل اليدوي ويرفع من شأنه، ويحارب النظرة الدونية لبعض المهن.
إن دراسة بحث عن حرف الانبياء ومهنهم يمنحنا دفعة قوية للإتقان في أعمالنا، ويذكرنا بأن الكسب الحلال الطيب هو أساس بناء الفرد والأسرة والمجتمع.
منهجية البحث في حرف الأنبياء
قبل أن نبدأ في سرد المهن، من المهم أن نوضح أن مصادر معرفتنا بحياة الأنبياء هي:
- القرآن الكريم: المصدر الأول والأساسي، وفيه إشارات واضحة إلى مهن بعض الأنبياء.
- السنة النبوية الصحيحة: حيث وردت أحاديث نبوية تشرح وتفصل بعض ما جاء في القرآن، وتضيف معلومات عن حياة النبي محمد ﷺ نفسه وغيره من الأنبياء.
- كتب التفسير والقصص: مثل قصص الأنبياء للثعلبي والطبري وابن كثير، والتي تستند إلى القرآن والسنة وآثار الصحابة والتابعين.
في هذا البحث، سنعتمد على المصادر الموثوقة، وسنبتعد عن القصص الإسرائيلية غير المؤكدة.
جدول 1: نظرة سريعة على أبرز أنبياء الله وحرفهم
| اسم النبي | الحرفة أو المهنة الأساسية | الدليل أو الإشارة |
|---|---|---|
| آدم عليه السلام | الزراعة | خلق من الأرض وحرثها وزرعها وقيل هو أول من فلح الأرض. |
| إدريس عليه السلام | الخياطة | ورد في الأحاديث والآثار أنه أول من خاط الثياب. |
| نوح عليه السلام | النجارة | بناء سفينة بأمر الله، مما تطلب مهارة نجارة عالية. |
| إبراهيم عليه السلام | البناء والتجارة | بنى الكعبة، وكان تاجرًا للأقمشة. |
| إسماعيل عليه السلام | الصيد والزراعة | تعلم الرمي فكان صيادًا ماهرًا، وساعد في بناء الكعبة. |
| إسحاق ويعقوب عليهما السلام | الرعي والزراعة | كانا رعاة أغنام، ويعملان في الزراعة. |
| يوسف عليه السلام | السياسة والاقتصاد | تولى خزائن الأرض وعمل في الإدارة والحكم. |
| أيوب عليه السلام | التجارة والزراعة | كان من أغنى الأنبياء وله ثروة كبيرة من المواشي والأراضي. |
| موسى عليه السلام | الرعي | عمل راعيًا للأغنام عند شعيب عليه السلام لمدة عشر سنوات. |
| داود عليه السلام | الحدادة | كان يأكل من عمل يده، وألان الله له الحديد فكان يصنع الدروع. |
| سليمان عليه السلام | الحكم والصناعة | ورث ملك أبيه داود وسخر له الجن يعملون في صناعات متنوعة. |
| زكريا عليه السلام | النجارة | كان نجارًا يعمل بيده ويأكل من كسبه. |
| محمد ﷺ | الرعي والتجارة | رعى الغنم في صغره، ثم عمل في التجارة. |
تفصيل حرف الأنبياء ومهنهم: قصص وعبر
الآن، دعونا نتعمق في تفاصيل حياة كل نبي وعلاقته بمهنته، لنستخلص الدروس والعبر التي تصلح لكل زمان ومكان.
1. آدم عليه السلام: أبو البشر ومهنة الفلاحة
يُعتبر نبي الله آدم عليه السلام أول البشر وأول الأنبياء. وبعد أن هبط إلى الأرض، بدأ رحلته في الحياة التي تتطلب الكفاح والعمل. تشير معظم الآثار إلى أن آدم عليه السلام عمل في الزراعة.
- طبيعة المهنة: فقد خلقه الله من تراب الأرض، وكان من الطبيعي أن يكون له ارتباط وثيق بهذه الأرض. يُقال إنه أول من حرث الأرض وزرعها، وحصد طعامه بيديه. لقد علّم أبناءه كيف يستصلحوا الأرض ويستخرجوا قوتها.
- الدروس المستفادة:
- البداية المتواضعة: بدأ تاريخ البشرية بمهنة يدوية بسيطة، لكنها أساس الحضارة والعمران. هذا يعلّمنا ألا نستصغر أي عمل.
- الارتباط بالأرض: يؤكد عمل آدم في الزراعة على أهمية الأرض كمصدر رئيسي للحياة والرزق، ويدعو إلى استصلاحها وعمارتها.
2. إدريس عليه السلام: راقي الإنسانية وحرفة الخياطة
نبي الله إدريس عليه السلام هو من الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن، وقد أثنى الله عليه بقوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)} [سورة مريم]. اشتهر إدريس عليه السلام بأمور عدة، منها أنه أول من خطّ بالقلم، وأول من نظر في علم النجوم والحساب. ويُعتقد أنه أول من تعلم وأتقن حرفة الخياطة.
- طبيعة المهنة: قبل إدريس، كان الناس يلبسون الجلود غير المخيطة، أو يصنعون ثيابًا من الشعر بطرق بدائية. يُقال إنه أول من خاط الثياب وأتقنها، فكان الناس يأتون إليه ليخيط لهم ملابسهم. بهذا، أدخل على البشرية حرفة جديدة رفعت من مستوى معيشتهم وسترتهم.
- الدروس المستفادة:
- الإبداع والابتكار: لم يكتفِ إدريس عليه السلام بما هو موجود، بل طوّر وسعى لتحسين حياة الناس. هذا يعلمنا أهمية الابتكار وتطوير المهارات.
- الستر والعفة: حرفة الخياطة ترتبط بستر العورات، مما يرمز إلى الأخلاق والعفة التي يجب أن يتحلى بها المؤمن.
3. نوح عليه السلام: شيخ المرسلين وصناعة السفن (النجارة)
قصة نوح عليه السلام هي قصة الصبر والدعوة الطويلة. لقد مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى التوحيد، فلم يزدهم ذلك إلا فرارًا. وعندما أمره الله بصنع السفينة، تحولت حياته إلى ورشة عمل ضخمة.
- طبيعة المهنة: يقول تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (37)} [سورة هود]. هنا، أصبح نوح عليه السلام نجارًا، بل ومهندسًا بحريًا بارعًا. بدأ بجمع الأخشاب وتقطيعها وتشكيلها، وصولاً إلى بناء سفينة ضخمة لم يرَ لها الناس مثيلاً من قبل. لم تكن مجرد نجارة عادية، بل كانت هندسة معقدة تتطلب تخطيطًا وإتقانًا.
- الدروس المستفادة:
- الطاعة والعمل: نوح لم يتساءل كيف سينجو هو والمؤمنون، بل امتثل لأمر الله فورًا وبدأ في العمل. هذا درس في طاعة الله والثقة بوعده.
- مواجهة السخرية بالعمل: كان قومه يمرون عليه ويسخرون منه وهو يصنع السفينة في اليابسة. لكنه كان يواصل العمل بكل ثقة وإيمان. هذا يعلمنا أن المبدعين وأصحاب الرسالات غالبًا ما يواجهون السخرية، وعليهم المضي قدمًا.
- العمل الجماعي: على الأرجح، لم يصنع نوح السفينة بمفرده، بل كان معه أتباعه المؤمنون، مما يبرز أهمية العمل الجماعي والتعاون.
4. إبراهيم عليه السلام: أبو الأنبياء بين البناء والتجارة
نبي الله إبراهيم عليه السلام هو إمام الحنفاء، وأبو الأنبياء الذين جاءوا من نسله. تميزت حياته بالعديد من المحطات التي تطلبت منه العمل بمهارات متعددة.
- حرفة البناء: أشهر أعمال إبراهيم عليه السلام هي بناء الكعبة المشرفة مع ابنه إسماعيل. يقول تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)} [سورة البقرة]. هنا، تجسدت مهارته في البناء، حيث وضع أساسات أول بيت وضع للناس، ليكون قبلة للمسلمين ومنارة للتوحيد. إنه بناء ذو بعد روادي عظيم.
- مهنة التجارة: بالإضافة إلى البناء، تشير الأحاديث والسير إلى أن إبراهيم عليه السلام كان تاجرًا للأقمشة والثياب. فقد كان يحتاج إلى المال ليعول أسرته الكبيرة، ولينفق على الضيوف الذين كانت داره لا تخلو منهم. التجارة علمته الأخلاق الفاضلة كالصدق والأمانة والكرم.
- الدروس المستفادة:
- الجمع بين الأعمال: يمكن للإنسان أن يجمع بين أكثر من مهنة، طالما أتقنها وأدى كل منها على وجهها الصحيح.
- العمل لخدمة الدين: بنى الكعبة وتاجر لينفق، فكان عمله كله في سبيل الله وخدمة لدينه.
مقارنة بين بنائين: نوح وإبراهيم عليهما السلام
| وجه المقارنة | بناء نوح عليه السلام (السفينة) | بناء إبراهيم عليه السلام (الكعبة) |
|---|---|---|
| الهدف | النجاة من الطوفان وحماية المؤمنين. | توحيد القلوب وجعلها قبلة للعبادة. |
| المادة الخام | الخشب. | الحجر. |
| المهارة المطلوبة | نجارة وهندسة بحرية. | بناء وهندسة معمارية. |
| التحدي الأكبر | السخرية والاستهزاء من الكفار. | بناء البيت في واد غير ذي زرع. |
| النتيجة | نجاة المؤمنين وهلاك الكافرين. | بقاء الكعبة رمزًا للتوحيد إلى يوم الدين. |
5. موسى عليه السلام: قصة الكفاح الطويل في الرعي
موسى عليه السلام هو كليم الله، وأحد أولي العزم من الرسل. حياته مليئة بالأحداث الجسام، لكن قبل أن يصبح نبيًا، مر بفترة مهمة من حياته العملية.
- طبيعة المهنة: بعد هروبه من مصر، وصل إلى مدين، وهناك قابل المرأتين اللتين تذودان أغنامهما. سقى لهما، ثم ذهب إلى أبيهما الشيخ الكبير (النبي شعيب عليه السلام على الأرجح). عرضت إحداهما على أبيها أن يستأجره، فقالت: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)} [سورة القصص]. فعمل موسى عليه السلام راعيًا للأغنام عند شعيب عليه السلام لمدة عشر سنوات (قيل ثماني سنوات للصداق وسنتين زيادة منه).
- الدروس المستفادة:
- التواضع والخدمة: نبي عظيم يعمل راعيًا لأجر يأكله. هذا أعظم دروس التواضع، وأن العمل لا ينتقص من قدر صاحبه أبدًا.
- الصبر وتحمل المسؤولية: الرعي مهنة شاقة تتطلب اليقظة ومتابعة الأغنام وحمايتها من الذئاب والسرقة. هذه السنوات الطويلة من الرعي صقلت شخصية موسى وجعلته صبورًا وقويًا وقادرًا على تحمل المسؤولية.
- التكوين القيادي: الرعي مهنة الأنبياء كما قال النبي ﷺ: “ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم” (رواه البخاري). الرعي يعلم الصبر والرحمة والقيادة، فهي تدريب عملي على إدارة الرعية.
6. داود عليه السلام: النبي الحداد الذي ألان الله له الحديد
نبي الله داود عليه السلام هو ملك ونبي، آتاه الله العلم والحكمة والملك، وألان له الحديد. هذه الميزة الفريدة جعلت من حرفته صنعة مميزة.
- طبيعة المهنة: يقول تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ (80)} [سورة الأنبياء]. ويقول أيضًا: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10)} [سورة سبأ]. كان داود عليه السلام حدادًا يصنع الدروع. وكان يصنعها بحرفية عالية، فكان الدرع في السابق صفائح ثقيلة، لكنه عليه السلام كان يخرق الحديد ويصنع منه حلقات متشابكة، فيصبح الدرع مرنًا وخفيفًا على الجسم، ويقي المقاتل شر السيوف والرماح.
- الدروس المستفادة:
- الإتقان في العمل: كان داود عليه السلام يصنع الدروع بإتقان، فكان توازنًا بين القوة والمرونة. هذا يعلمنا ضرورة الإتقان في أي حرفة نمارسها.
- الاعتماد على النفس: يقول النبي ﷺ: “كان داود لا يأكل إلا من عمل يده” (رواه البخاري). مع أنه ملك ونبي، إلا أنه كان يأكل من كسب يده، ولم يكن عالة على أحد.
- تسخير الإمكانيات للخير: سخّر الله لداود الحديد، وسخّره هو لصنع أدوات تحمي الناس وتدفع عنهم الأذى. هذا هو الهدف الأسمى من العمل.
7. زكريا عليه السلام: نبي الله النجار
نبي الله زكريا عليه السلام هو من أنبياء بني إسرائيل، وكان كفيلاً لمريم أم المسيح. يضرب الله به مثلاً في الإخلاص والدعاء. وعُرف عنه أنه كان يعمل بيده في مهنة متواضعة.
- طبيعة المهنة: صح عن النبي ﷺ أنه قال: “كان زكريا عليه السلام نجارًا” (رواه مسلم). كان يعمل في النجارة، فيقطع الخشب ويشكله ويصنع منه الأبواب والأواني وغيرها. ومع أنه كان نبيًا، وكان له شأن عظيم عند الله، إلا أنه لم يترك العمل اليدوي.
- الدروس المستفادة:
- العمل عبادة حتى مع الكبر: قام زكريا عليه السلام بهذه المهنة على كبر سنه، ليؤكد أن العمل ليس حكرًا على الشباب، وأن النشاط والعطاء لا يتوقفان.
- القدوة الحسنة: لقد كان قدوة لقومه في التواضع وحب العمل، مما جعل كلمته مسموعة ودعوته مقبولة.
8. محمد ﷺ: خاتم الأنبياء والرسول المعلم
نبي الإسلام محمد ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو الأسوة الحسنة لنا في جميع شؤون الحياة. ولم تخلُ حياته من العمل والكسب الحلال.
- حرفة الرعي: كما مر معنا في حديث موسى، قال النبي ﷺ: “ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم”. قالوا: وأنت؟ قال: “نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة” (رواه البخاري). فقد رعى النبي ﷺ الغنم في صباه، وكان يأخذ أجره على ذلك. الرعي علّمه الصبر والتواضع والرحمة بالمخلوقات.
- مهنة التجارة: بعد أن كبر، اشتهر النبي ﷺ بالصدق والأمانة في قومه، مما جعله موضع ثقة الجميع. عمل في التجارة، وكان يسافر بمال السيدة خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها) إلى الشام. كان تاجرًا ناجحًا بفضل أخلاقه العالية، فكان صادقًا في قوله وفي وعده، أمينًا على المال.
- الدروس المستفادة:
- التكامل بين الأخلاق والعمل: لم تكن تجارته مجرد وسيلة لكسب المال، بل كانت انعكاسًا لأخلاقه النبيلة. هذا هو سر نجاحه في الدنيا قبل البعثة.
- الاستعداد للقيادة: الرعي والتجارة درباه على التعامل مع الناس بمختلف طباعهم، وعلى تحمل المسؤولية وإدارة الأمور، مما كان خير إعداد للقيادة العظيمة التي سيتولاها.
- الكسب الحلال أساس الحياة: حرص النبي ﷺ منذ صغره على أن يأكل من كسب يده، وهذا يؤكد أهمية السعي وراء الرزق الحلال.
9. يوسف عليه السلام: من الرعي إلى إدارة الدولة
قصة يوسف عليه السلام فريدة من نوعها، حيث تتنقل به الأحوال من البئر والسجن إلى قمة السلطة. هو نبي عمل بأكثر من مهنة، ووصل إلى أعلى المناصب الإدارية.
- طبيعة المهن: بدأ يوسف عليه السلام كغيره من الأنبياء في الرعي مع إخوته. لكن أبرز مرحلة مهنية في حياته كانت عندما تولى إدارة شؤون الاقتصاد في مصر. يقول تعالى على لسان يوسف: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)} [سورة يوسف]. هنا لم يكن مجرد موظف، بل كان وزيرًا للمالية والتخطيط. وضع خطة محكمة لمواجهة سنوات القحط السبع، فادخر من محاصيل السنوات العجاف، واستطاع إنقاذ مصر والشعوب المجاورة من المجاعة.
- الدروس المستفادة:
- التخصص والإتقان الإداري: يوسف عليه السلام كان حفيظًا (أمينًا) وعليمًا (خبيرًا) بمجال الاقتصاد والتخزين والإدارة. هذا يبرز أهمية التخصص واكتساب الخبرة في مجال العمل.
- طلب المنصب للكفء: عرض يوسف نفسه لهذا المنصب لأنه كان يعلم أنه الأكفأ، ولأنه رأى فيه مصلحة عظيمة للبلاد والعباد. هذا ليس طموحًا شخصيًا، بل هو شعور بالمسؤولية.
- التخطيط الاستراتيجي: قصة يوسف هي أول خطة استراتيجية معروفة في التاريخ لمواجهة الأزمات الاقتصادية.
قائمة بأهم الدروس المستفادة من مهن الأنبياء:
- العمل عبادة: النية الصالحة في العمل تحوله إلى عبادة يؤجر عليها المرء.
- التوكل على الله: التوكل لا يعني ترك العمل، بل هو الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على الله.
- شرف العمل اليدوي: الأنبياء لم يستنكفوا عن العمل بأيديهم، وهذا يدل على شرف أي عمل يبذل فيه الإنسان جهدًا.
- الصدق والأمانة: هما أساس النجاح في أي مهنة، كما كان حال النبي ﷺ في تجارته.
- الإتقان: الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه، كما أتقن داود صنعة الدروع.
- الصبر وتحمل المسؤولية: الرعي مثال حي على مهنة تعلم الصبر وتحمل المسؤولية.
- التواضع: العمل يربي في الإنسان التواضع، ويمنعه من الكبر والغرور.
- السعي في طلب الرزق الحلال: هو واجب على كل مسلم، اقتداء بالأنبياء.
خاتمة: العمل رسالة الأنبياء
في ختام هذا بحث عن حرف الانبياء ومهنهم، نجد أنفسنا أمام حقيقة واضحة وجلية: لم يكن الأنبياء مجرد دعاة يعيشون في أبراج عاجية، بل كانوا نموذجًا حيًا للإنسان العامل المنتج. كانوا يرعون الغنم، ويبيعون ويشترون، ويبنون البيوت والسفن، ويحددون الحديد، ويديرون شؤون الدول. لقد جسّدوا بأعمالهم معنى العبودية الشاملة لله، التي لا تقتصر على الصلاة والصيام، بل تشمل كل عمل يقصد به وجه الله ويكون سببًا في إعمار الأرض ونفع الناس.
إن النظر إلى حياتهم من هذه الزاوية يمنحنا دفعة هائلة للتوفيق بين ديننا ودنيانا، ويدفعنا لإتقان أعمالنا، والبحث عن الكسب الحلال، وفهم أن السعي على العيال هو جزء من الجهاد في سبيل الله. نسأل الله أن يرزقنا البركة في أعمالنا، وأن يجعلنا من عباد الله الصالحين المنتجين.
الأسئلة الشائعة (FAQ)
س1: ما هي الحكمة من عمل الأنبياء في مهن بسيطة كالرعي والنجارة؟
ج: الحكمة تعليمنا التواضع، وألا يستكبر الإنسان عن أي عمل مباح. كما أن هذه المهن تعلم الصبر وتحمل المسؤولية، وهي صفات أساسية لمن سيتحمل أعباء النبوة والدعوة. إضافة إلى ذلك، فإنها تقطع الطريق على من يظن أن النبوة تعني الترفع عن احتياجات الحياة الأساسية.
س2: هل جميع الأنبياء عملوا في مهنة الرعي؟
ج: صح عن النبي محمد ﷺ أنه قال: “ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم”. وهذا يشير إلى أن الغالبية العظمى منهم عملوا بها. وهي مهنة تربية وتدريب على القيادة والرعاية، فهي تشبه مسؤولية النبي في رعاية أمته.
س3: هل عمل الأنبياء كان قبل البعثة أم بعدها؟
ج: بعضهم عمل قبل البعثة كالنبي محمد ﷺ، وبعضهم عمل بعدها كداود وزكريا ونوح عليهم السلام. وهذا يؤكد أن النبوة لا تمنع من العمل والكسب الحلال.
س4: كيف نوفق بين عمل الأنبياء واشتغالهم بالدعوة؟
ج: لم ينشغلوا بالعمل عن الدعوة، بل كانوا ينظمون أوقاتهم. كانوا يعملون ليكسبوا قوتهم ويستغنوا عن الناس، وفي نفس الوقت يبذلون أوقاتًا كبيرة للدعوة والتعليم. وهذا درس في تنظيم الوقت وإخلاص النية.
س5: ما هو الهدف من دراسة مهن الأنبياء في عصرنا الحالي؟
ج: الهدف هو استلهام القيم والمبادئ التي قامت عليها هذه المهن (كالصدق، الأمانة، الإتقان، التواضع)، وتطبيقها في وظائفنا وأعمالنا الحديثة. كما أنها تعزز فينا احترام جميع المهن وتقدير أصحابها.
