بحث

بحث عن البراكين: قوة الطبيعة الهائلة من أعماق الأرض

مقدمة

عندما تفكر في قوة الطبيعة في أبهى صورها، غالباً ما تتبادر إلى الذهن صورة البركان الثائر: ذلك الجبل الذي يقذف من أعماقه النار والصهارة والدخان، في مشهد مهيب يذكرنا بأن كوكبنا حيٌّ ونشط. تشكل البراكين نافذة فريدة تطل على الأعماق السحيقة للأرض، وتلعب دوراً أساسياً في تشكيل معالم كوكبنا منذ مليارات السنين. في هذا بحث عن البراكين، سنغوص في أعماق هذا العالم المثير، مستكشفين آلية عمله، أنواعه، فوائده، ومخاطره، بطريقة واضحة وشاملة.

“البراكين هي آلات الزمن الجيولوجي. إنها تعيدنا إلى الأيام الأولى للأرض، وتذكرنا بأن كوكبنا ما زال يتشكل ويتنفس.” – جيمس هاتن، جيولوجي

ما هو البركان؟ تعريف مبسط

ببساطة، البركان هو فتحة في قشرة الأرض تسمح للمواد المنصهرة (الصهارة)، والرماد البركاني، والغازات بالهروب من غرف الصهارة الموجودة تحت السطح. عندما تصل هذه المواد المنصهرة إلى السطح، تُسمى حمماً بركانية. يمكن أن تظهر البراكين على شكل تلال أو جبال أو فتحات، ويمكن أن تكون نشطة أو خامدة أو منقرضة.

المكونات الأساسية للبركان

  1. غرفة الصهارة: خزان ضخم تحت الأرض يحتوي على الصخور المنصهرة والغازات.
  2. مدخنة أو عنق البركان: القناة الرئيسية التي تنتقل عبرها الصهارة إلى الأعلى.
  3. فوهة البركان: الفتحة العلوية التي تخرج منها المواد البركانية.
  4. مخروط بركاني: التل أو الجبل الذي يتشكل من تراكم المواد المقذوفة (الحمم والرماد) حول الفوهة.

كيف تتشكل البراكين؟ العلم وراء الثوران

لفهم كيفية تشكل البراكين، يجب أولاً أن نتعرف على التركيب الداخلي لكوكبنا. تتكون الأرض من عدة طبقات، وأهمها الغلاف الصخري الصلب الذي يتكون من القشرة والجزء العلوي من الوشاح. هذا الغلاف مقسم إلى أجزاء ضخمة تسمى الصفائح التكتونية، التي تتحرك ببطء فوق طبقة أكثر لزوجة وحرارة في الوشاح.

تتشكل معظم البراكين عند حدود هذه الصفائح، حيث تتفاعل مع بعضها البعض. إليك الآليات الرئيسية:

  • عند الحدود التباعدية: حيث تبتعد الصفائح عن بعضها (مثل منتصف المحيط الأطلسي). يؤدي هذا إلى انخفاض الضغط على الوشاح العلوي، فينصهر جزئياً مكوناً صهارة ترتفع لملء الفجوة، مشكلة براكين تحت الماء غالباً.
  • عند الحدود التقاربية: حيث تصطدم صفيحتان، وتنزلق إحداهما تحت الأخرى في عملية تسمى الاندساس (مثل حلقة النار حول المحيط الهادئ). يؤدي الاحتكاك وذوبان الصفيحة المنزلقة إلى تكوين صهارة غنية بالسيليكا والغازات، ترتفع مكونة براكين شديدة الانفجار على السطح.
  • عند النقاط الساخنة: وهي أماكن غير مرتبطة بحدود الصفائح، حيث ترتفع أعمدة من المواد شديدة الحرارة من أعماق الوشاح نحو السطح، مكونة براكين مثل تلك الموجودة في هاواي.
إقرٱ أيضا :  بحث عن التقنية الرقمية: دليل شامل للعصر الرقمي
بحث عن البراكين
بحث عن البراكين

أنواع البراكين: من الهادئة إلى المدمرة

تختلف البراكين بشكل كبير في شكلها، حجمها، ونمط ثورانها. يعتمد هذا الاختلاف بشكل أساسي على تركيب الصهارة (خاصة محتوى السيليكا والغازات) والبيئة التكتونية.

1. براكين الدرع (الدرعية)

  • الوصف: براكين عريضة وقليلة الانحدار تشبه درع المحارب المستلقي على الأرض.
  • سبب التشكل: تنتج عن صهارة بازلتية قليلة اللزوجة وغنية بالحديد والمغنيسيوم، تتدفق بسهولة وتنتشر لمسافات طويلة قبل أن تتجمد.
  • نمط الثوران: ثورانات هادئة وغير انفجارية إلى حد كبير. تنساب الحمم ببطء.
  • أمثلة: براكين جزر هاواي (مونا لوا، كيلاويا)، براكين أيسلندا.

2. البراكين المخروطية (الطبقية أو المركبة)

  • الوصف: أشهر صورة للبركان: جبل مخروطي الشكل شديد الانحدار، ذو قمة حادة.
  • سبب التشكل: تنتج عن صهارة وسيطة إلى عالية اللزوجة (أنديزيتية إلى ريوليتية). تتناوب فترات ثوران انفجاري (يقذف الرماد والفحم البركاني) مع فترات تدفق حمم لزجة، مما يبني طبقات متعاقبة.
  • نمط الثورانانفجاري وعنيف في كثير من الأحيان. قد تنتج سحباً حارقة وسحابة الرماد البركاني.
  • أمثلة: جبل فيزوف (إيطاليا)، جبل فوجي (اليابان)، جبل سانت هيلين (الولايات المتحدة).

3. المخاريط الفتاتية (البركانية)

  • الوصف: أصغر أنواع البراكين، مخاريط دائرية ذات جوانب شديدة الانحدار مصنوعة بالكامل تقريباً من الجمرات البركانية (قطع من الحمم المتجمدة).
  • سبب التشكل: تنتج عن ثوران قصير الأمد لقذف الحمم المتفتتة في الهواء، التي تسقط حول الفوهة وتتراكم.
  • نمط الثوران: انفجاري قصير المدى، قد يكون نافورة حمم ملونة.
  • أمثلة: مخاريط باربرتون في كاليفورنيا، مخاريط كثيرة في منطقة حرة رهط في السعودية.

4. قباب الحمم

  • الوصف: قبة أو نتوء دائري يتشكل عندما تكون الحمم لزجة جداً لدرجة أنها لا تستطيع التدفق، فتنبثق ببطء وتتراكم فوق الفوهة مثل الفلين في زجاجة.
  • سبب التشكل: حمم غنية جداً بالسيليكا ولزجة للغاية (ريوليتية).
  • نمط الثوران: بطيء وهادئ لكنه قد يكون خطيراً، حيث يمكن أن ينفجر فجأة إذا تراكمت تحته الغازات.
  • أمثلة: قبة الحمم في جبل سانت هيلين بعد ثوران 1980.

جدول مقارنة بين أنواع البراكين الرئيسية

النوعالشكلتركيب الصهارةلزوجة الصهارةنمط الثورانالأمثلة الشهيرة
براكين الدرععريض، منخفض الانحداربازلتيةمنخفضةهادئ، تدفق حممهاواي، أيسلندا
البراكين المخروطيةمخروطي شديد الانحدارأنديزيتية – ريوليتيةمتوسطة إلى عاليةعنيف، انفجاريفيزوف، جبل فوجي
المخاريط الفتاتيةمخروطي صغيربازلتية إلى أنديزيتيةمتغيرةانفجاري قصيرحقول بركانية متناثرة
قباب الحممقبة دائريةريوليتيةعالية جداًبطيء، قد ينفجرداخل فوهات براكين مركبة

المنتجات البركانية: ماذا يقذف البركان؟

لا تقتصر مقذوفات البراكين على الحمم السائلة فحسب، بل تشمل مجموعة واسعة من المواد:

إقرٱ أيضا :  بحث عن الأنظمة البيئية المائية: دليل مفصل للطالب والباحث

1. المواد السائلة واللزجة

  • الصهارة: الصخور المنصهرة تحت سطح الأرض.
  • الحمم: نفس المادة عندما تصل إلى السطح. تختلف أشكال تدفقاتها حسب اللزوجة.

2. المواد الصلبة (المقذوفات الصلبة أو الفتات البركاني)

  • الرماد البركاني: جسيمات دقيقة للغاية من الزجاج البركاني والصخور. يمكن أن تنتقل لآلاف الكيلومترات.
  • اللابيلي (الحصى البركاني): قطع صخرية بحجم البندق إلى كرة التنس.
  • القنابل البركانية: كتل كبيرة من الصخور المنصهرة تتصلب أثناء طيرانها.
  • الكتل البركانية: كتل ضخمة من الصخور الصلبة المقذوفة من الانفجار.

3. الغازات البركانية

تكون الصهارة غنية بالغازات المذابة. عند اقترابها من السطح، ينخفض الضغط فتتحرر الغازات، وهي المحرك الرئيسي للانفجارات. أهمها:

  • بخار الماء (H₂O) : النسبة الأكبر (غالباً فوق 60%).
  • ثاني أكسيد الكربون (CO₂).
  • ثاني أكسيد الكبريت (SO₂).
  • كذلك: كبريتيد الهيدروجين (H₂S)، غازات الكلور، والفلور.

ملاحظة مهمة: يُعتبر الرماد البركاني من أخطر المنتجات البركانية على الطيران المدني، حيث يمكن أن يذوب في حرارة محركات الطائرات ويعطل عملها تماماً، كما حدث عند ثوران بركان إيافيالايوكل في آيسلندا عام 2010.

المخاطر والفوائد: وجهان لعملة واحدة

المخاطر البركانية

تشتهر البراكين بقدرتها التدميرية الهائلة. تشمل المخاطر المباشرة وغير المباشرة:

  1. تدفقات الحمم: قد تدمر كل ما في طريقها، لكنها عادة بطيئة ويمكن تفاديها.
  2. الانهيارات الأرضية والانهيارات الطينية (اللوحار): مزيج مدمر من الرماد والماء (من ذوبان الجليد أو أمطار غزيرة) يتدفق كالأسمنت الرطب.
  3. الغازات السامة: يمكن أن تسبب اختناقاً للكائنات الحية.
  4. السحب الحارقة (تدفقات piroclástica): الخطر الأكثر فتكاً؛ سحابة من الغاز الساخن والرماد والصخور تندفع بسرعات هائلة (مئات الكيلومترات في الساعة) ودرجات حرارة تصل لـ 1000°م، تُبيد كل شيء في مسارها.
  5. الرماد البركاني: يسبب انهيار الأسطح، تلوث المياه، مشاكل تنفسية، ويعطل النقل والاتصالات.
  6. تسونامي: يمكن أن يتسبب انهيار بركاني تحت الماء أو دخول كميات كبيرة من المواد إلى البحر في حدوث موجات تسونامي مدمرة.

الفوائد البركانية

رغم مخاطرها، للبراكين فوائد جمة جعلت الإنسان يستوطن مناطقها منذ القدم:

  1. تربة خصبة: الرماد البركاني غني بالمعادن والعناصر المغذية. تربة المناطق البركانية من أخصب الترب في العالم.
  2. مواد بناء: الحمم المتجمدة (البازلت)، الخفاف، والسكوريا مواد بناء ممتازة. يستخدم الرماد في صناعة الإسمنت.
  3. الطاقة الحرارية الأرضية: تسخن الصهارة المياه الجوفية، مكونة ينابيع ساخنة وموارد للطاقة النظيفة والمتجددة.
  4. تكوين معادن ثمينة: ترتبط رواسب العديد من المعادن مثل النحاس، الذهب، الفضة، والكبريت بالنشاط البركاني.
  5. تكوين جزر وأنظمة بيئية جديدة: تخلق البراكين أرضاً جديدة، كما حدث في جزر هاواي وأيسلندا، وتصبح مع الوقت موطناً للكائنات الحية.

مراقبة البراكين والتنبؤ بالثورانات

لا يمكن منع ثوران البركان، لكن العلم الحديث طور أدوات لمراقبة النشاط البركاني والتنبؤ بالثورانات المحتملة، مما ينقذ أرواحاً لا تحصى.

إقرٱ أيضا :  بحث عن تنظيم الوقت: دليلك الشامل لإتقان فن إدارة الحياة

أدوات المراقبة الرئيسية:

  • مقاييس الزلازل (السيسموجراف): تسجل الهزات الأرضية الصغيرة (الزلازل البركانية) التي تحدث مع تحرك الصهارة وتعتبر المؤشر الأهم.
  • مقاييس التحدب (الانتفاخ): تستخدم أجهزة GPS والمقاييس لقياس أي انتفاخ أو تضخم في جسم البركان بسبب تراكم الصهارة تحته.
  • تحليل الغازات: مراقبة نوع وكمية الغازات المنبعثة من الفتحات.
  • المراقبة الحرارية: استخدام الأقمار الصناعية لقياس التغيرات في درجات حرارة السطح.
  • الكاميرات والمراقبة البصرية: المراقبة المستمرة عبر الكاميرات الأرضية والأقمار الصناعية.

كيف تحمي نفسك إذا كنت في منطقة بركانية نشطة؟

  • تعرف على خطط الطوارئ المحلية ومسارات الإخلاء.
  • احرص على وجود حقيبة طوارئ تحتوي على أقنعة للوجه (لترشيح الرماد)، نظارات واقية، ماء، وطعام.
  • إذا أمرت السلطات بالإخلاء، افعل ذلك فوراً.
  • في حالة سقوط الرماد، ابق في الداخل بإغلاق النوافذ والأبواب، وغط فمك وأنفك.

أشهر البراكين في التاريخ والعالم

  • جبل فيزوف (إيطاليا): دمر مدينتي بومبي وهيركولانيوم عام 79م. أول بركان تم توثيق ثورانه بشكل مفصل.
  • كراكاتوا (إندونيسيا): ثورانه عام 1883 كان أحد أقوى الانفجارات في التاريخ المسجل، وسُمِع دويه على بعد 5000 كم.
  • جبل سانت هيلين (الولايات المتحدة): ثورانه عام 1980 درس بشكل مكثف وأسفر عن مشهد كارثي.
  • جبل بيناتوبو (الفلبين): ثورانه عام 1991 كان ضخماً وأثر على المناخ العالمي لعدة سنوات.
  • إيافيالايوكل (أيسلندا): تسبب ثورانه عام 2010 في أكبر اضطراب لحركة الطيران في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
  • براكين هاواي (كيلاويا، مونا لوا): من أكثر البراكين نشاطاً ودراسة على وجه الأرض، ذات ثورانات هادئة نسبياً.

الخاتمة

تكشف لنا دراسة البراكين عن نبض الأرض الحي وقوة عملياتها الجيولوجية الداخلية الهائلة. فهي ليست مجرد أدوات تدمير، بل محركات أساسية لتشكيل تضاريس الكوكب، ومساهم رئيسي في خصوبة تربته ودورات عناصره الكيميائية. من خلال الفهم العلمي لآلية عملها ومراقبتها الدقيقة، يمكن للإنسانية أن تتعايش مع هذه القوة الطبيعية، متجنبة مخاطرها ومستفيدة مما تقدمه من فوائد، في علاقة ديناميكية مستمرة بين البشر وكوكبهم النشط.

الأسئلة الشائعة (FAQ)

س: هل يمكن أن يثور البركان في أي مكان؟
ج: لا. تتركز معظم البراكين النشطة في مناطق محددة مرتبطة بحدود الصفائح التكتونية، وأشهرها “حلقة النار” حول المحيط الهادئ. ومع ذلك، يمكن أن تظهر براكين النقاط الساخنة في وسط الصفائح، مثل هاواي.

س: ما الفرق بين البركان النشط، والخامل، والمنقرض؟
ج: النشط هو الذي ثار في التاريخ المسجل الحديث (آلاف السنين الماضية) ويُعتبر قادراً على الثوران مرة أخرى. الخامل لم يثر منذ فترة طويلة لكنه يحتفظ بالقدرة على الثوران في المستقبل. المنقرض هو الذي يعتبره العلماء غير قادر على الثوران مرة أخرى بسبب عدم وجود مصدر للصهارة تحته.

س: هل تؤثر البراكين على المناخ العالمي؟
ج: نعم، تأثير كبير. يمكن للانفجارات البركانية الكبيرة أن تقذف كميات هائلة من ثاني أكسيد الكبريت إلى طبقة الستراتوسفير، حيث يتحول إلى جزيئات كبريتات تعكس أشعة الشمس، مما يؤدي إلى تبريد مؤقت للمناخ العالمي قد يستمر لسنوات.

س: هل من الممكن استخدام الطاقة البركانية؟
ج: نعم، تُستخدم الطاقة الحرارية الأرضية المستمدة من حرارة الصهارة على نطاق واسع لتوليد الكهرباء وتسخين المنازل في دول مثل أيسلندا ونيوزيلندا وإيطاليا والولايات المتحدة. وهي طاقة نظيفة ومتجددة.

س: كيف تتشكل الينابيع الساخنة والجبسيرات؟
ج: تتشكل عندما تتسرب مياه الأمطار إلى باطن الأرض، وتسخن بسبب الصخور الساخنة القريبة من مصدر بركاني، ثم تعود إلى السurface بسبب اختلاف الكثافة، إما على شكل ينابيع ساخنة أو نافورات بخار متقطعة (جبسيرات).


وصف تعريفي للمقال: دليل شامل ومبسط عن البراكين: كيف تتشكل، أنواعها المختلفة، مخاطرها المدمرة و فوائدها المذهلة، وكيف يراقبها العلماء. كل ما تريد معرفته عن هذه الظاهرة الجيولوجية المثيرة.

مصدر إضافي للمزيد من الاستكشاف:
لمشاهدة مراقبة حية للبراكين ونماذج تفاعلية، يمكن زيارة موقع الماسح الجيولوجي الأمريكي (USGS) – برنامج مخاطر البراكينhttps://www.usgs.gov/natural-hazards/volcano-hazards

عن المؤلف

lwatiqa

اترك تعليقا